الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وللمفسرين طرائق كثيرة تزيد على ثمان لتأويل هذه الآية متعسفة أو مدخولة ، وهي متفاوتة ، وأقربها قول من جعل جملة أَمَرْنا مُتْرَفِيها إلخ صفة ل قَرْيَةً وجعل جواب ( إذا ) محذوفا . والمترف : اسم مفعول من أترفه إذا أعطاه الترفة . بضم التاء وسكون الراء - أي النعمة . والمترفون هم أهل النعمة وسعة العيش ، وهم معظم أهل الشرك بمكة . وكان معظم المؤمنين يومئذ ضعفاء قال اللّه تعالى : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [ المزمّل : 11 ] . وتعليق الأمر بخصوص المترفين مع أن الرسل يخاطبون جميع الناس ، لأن عصيانهم الأمر الموجه إليهم هو سبب فسقهم وفسق بقية قومهم إذ هم قادة العامة وزعماء الكفر فالخطاب في الأكثر يتوجه إليهم ، فإذا فسقوا عن الأمر اتبعهم الدهماء فعم الفسق أو غلب على القرية فاستحقت الهلاك . وقرأ الجمهور أَمَرْنا بهمزة واحدة وتخفيف الميم ، وقرأ يعقوب آمرنا بالمد بهمزتين همزة التعدية وهمزة فاء الفعل ، أي جعلناهم آمرين ، أي داعين قومهم إلى الضلالة ، فسكنت الهمزة الثانية فصارت ألفا تخفيفا ، أو الألف ألف المفاعلة ، والمفاعلة مستعملة في المبالغة ، مثل عافاه اللّه . والفسق : الخروج عن المقر وعن الطريق . والمراد به في اصطلاح القرآن الخروج عما أمر اللّه به ، وتقدم عنه قوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ في سورة البقرة [ 26 ] . و الْقَوْلُ هو ما يبلغه اللّه إلى الناس من كلام بواسطة الرسل وهو قول الوعيد كما قال : فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ [ الصافات : 31 ] . والتدمير : هدم البناء وإزالة أثره ، وهو مستعار هنا للاستئصال إذ المقصود إهلاك أهلها ولو مع بقاء بنائهم كما في قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] . وتقدم التدمير عند قوله تعالى : وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ في سورة الأعراف [ 137 ] . وتأكيد فَدَمَّرْناها بالمصدر مقصود منه الدلالة على عظم التدمير لا نفي احتمال المجاز . [ 17 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 17 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 )